الأب نثنائيل من دير مغاور بسكوف ‎(1920-2002)

orthodox-saints.com

   نورد سيرة الأرشمندريت نثنائيل (بوسبيلوف) (1920-2002)، الراهب الّذي أمضى حياته في دير ”كهوف بسكوف“، في مدينة ”بيشوري“، مقاطعة ”بسكوف“.

 

     شخصيّة الأب نثنائيل

في تلك الأيام إذا كنت لتسأل أحدهم: ”من هو أبخل إنسان في بيشوري؟“. كنت لا تسمع، من دون أي شك، سوى إسمٍ واحدٍ: أمين صندوق دير كهوف بسكوف: الأرشمندريت نثنائيل!. هذا كان سيكون الجواب الأوحد لكلّ الكهنة والمبتدئين والرّهبان والعلمانيين، وحتّى الشيوعيّين  في  لجنة  أمن  الدولة  في بيشوري (KGB) وكلّ المنشقّين المحليّين، لأنّ الأب نثنائيل لم يكن بخيلاً فقط بل كان بخيلاً جدًا.

     كان الأب نثنائيل رجلاً هزيلاً متقدّمًا في السّن، نظرته ثاقبة. يرتدي غمبازًا (لباس الرّهبان) عتيقًا مغسولاً ذا أَهداب رثّة. و كان يلبسه صيفًا وشتاءً. كما كان يحمل عادة  كيسًا من الخيش على ظهره. في هذا الكيس كنت تجد كلّ شيء في العالم: خبزًا مجففًا – تبرّعًا لإحدى العجائز – حتّى مليون روبل (وهي العملة الرّوسية). كلّ هذه كانت ثمينة في نظر الأب نثنائيل، لأنّها أُرسلت إلى الدّير من الرّب الإله. كان الأب نثنائيل يحمل هذا الكيس متنقلاً بين أماكنه السرّية المتعددة من القلالي حتّى المخازن.

     كلّ الموارد المالية للدّير كانت تحت إمرة الأب نثنائيل. ولم يكن هناك نقصٌ في الإنفاق البتة: كلّ يوم كان يجلس حوالي المئة راهبٍ وأربع مئة زائرٍ إلى مائدة الطعام. وكان الدّير بحاجة دائمة إلى أعمال الصّيانة وإلى مبانٍ جديدة. هذا بالإضافة إلى حاجات الرّهبان اليوميّة والمال لمساعدة الفقراء، وٱستقبال الزوّار، وتأمين الهدايا للرّسميين… وأكثر من ذلك. لم يكن أحد يعلم كيف كان الأب نثنائيل يتدبّر أمر كلّ هذه النفقات المالية بنفسه. كان مسؤولاً عن تسجيل كلّ أعمال المحاسبة، وكان يهتم بترتيب الخِدَم الكنسيّة الطويلة للرّهبان بحسب الـ”تيبيكون“. وكان الأب نثنائيل السّكرتير في الدّير، لذلك كان يجيب على كلّ الرّسائل الّتي فيها مجموعة كبيرة من الأسئلة. أخيرًا وليس آخرًا كان يشارك رئيس الدير في تدبير العلاقات العامة ”المُزْعِجَة“ مع الرّسميين من السّلطة السّوفيتية. كان هذا الحجم الكبير من المسؤوليات كفيلاً بجعل أي إنسان يئن تحت ثقلها، إلا أنّ الأب نثنائيل كان يتمّمها بإلهام وحكمة نادرَين حتّى إنّك كنت تشكّ في بعض الأحيان إن كان فيه أي شيء آخر سوى رجل إكليريكي إداريّ.

   
   
 

 إلى جانب كل هذه المسؤوليات، كان الأب نثنائيل يهتمّ بشؤون المبتدئين. وكان يتمّم هذا العمل بدقة فائقة: ”يستطلع، يتحرّى، يتنصّت“… كل ذلك ليتأكّد أنّ المبتدئين يعيشون بحسب التيبيكون، ولا يُسيئون لحياتهم الرّهبانيّة. كان من الضروري أن يُراقَب المبتدئون عن كثب خاصة أنّهم يأتون من عالم لا جدّية روحيّة فيه وبالكاد يصلحون لأي عمل أو إلتزام.

     كان لدى الأب نثنائيل ميزة، وهي أنّه كان يحضر في الوقت الّذي لا يتوقّعه المرء. مثل ذلك عندما كان المبتدئون يختبئون وراء حائطٍ قديم متناسين عمل طاعتهم ليتجاذبوا أطراف الحديث، أو ليرتاحوا، أو ليتمتّعوا بالمناظر الطبيعيّة، فجأة كان يظهر لهم الأب نثنائيل كمن خرج من حفرة في الأرض، فترتجف لحيته ويوبّخهم بصوته الخشن فيتمنّى المبتدئون لو تبتلعهم الأرض لشعورهم بالحرج!.

 
 

     ولكثرة حماسه، كان الأب نثنائيل بالكاد يأكل أو ينام. لم يره أحد يشرب الشاي مثلاً. فقط القليل من الماء. حتّى خلال الوجبة الأساسية، كان يأكل خُمْس ما كانوا يضعون في صحنه. وكان كلّ مساء يأتي إلى غرفة الطعام، إلا أنّ هدفه الوحيد كان الحفاظ بصرامة على النّظام وهو جالس أمام صحنه الفارغ.

     رغم ذلك، كانت لديه طاقة مذهلة. لم يعرف أحد متى كان ينام. حتّى في الليل كنت ترى من خلال السّتائر النّور مضاءًا في قلايته. كان الرّهبان المتقدّمون في العمر يقولون إنّه عندما يكون الأب نثنائيل في قلايته فهذا معناه أنّه كان يوجد إمّا مُصليًا إمّا آخذًا في عدّ الأموال الّتي ٱجتمعت لديه في ذلك اليوم.

      كان يجب ترتيب كلّ هذه الثروة الطائلة في رزم وأكياس. وعندما ينتهي منها كان يُدوّن التعليمات والشروحات لخدم اليوم التالي. لم يكن أحد يستطيع أن يصنّف أو يفرز كلّ خاصيّات التيبيكون وتعقيداته كما كان يفعل الأب نثنائيل.

     ومع أنّ الضوء في قلايته كان مشتعلاً أكثر الليل، كان الجميع يعرفون أنّهم لم يتخلّصوا كليًّا من مراقبة الأب نثنائيل لهم، إذ كان عليك أن تتوقع ظهوره في أي مكان خلال الليل ليتأكد أنّ ما من أحد يتجوّل في تلك السّاعة – فالتجوال في الدّير كان ممنوعًا أثناء الليل.

 
 

أحد المبتدئين يذكر هذه الحادثة: ”في أحد الأيام كان عيد شفيع أحد الإخوة، فبقينا في قلاّيته إلى وقت متأخر وإذ كنّا عائدين إلى قلالينا رأينا على بعد خطوات منّا الأب نثنائيل يتحرّك تحت جنح الليل. تجمّدنا من الخوف. ولكن أدركنا بعد قليل أنّه لم يرنا هذه المرة، فكان يتصرّف ببعض الغرابة. بالكاد كان يستطيع تحريك قدميه حتّى إنّه تمايل قليلاً منحنيًا من ثقل كيسه. بعد ذلك رأيناه يتسلّق السياج المنخفض لإحدى الحدائق ويستلقي على الثلج مباشرة!.

     ”لقد مات!“ هكذا كلّنا خطر ببالنا.

     ٱنتظرنا قليلاً وقد انحبست أنفاسنا، ثم ٱقتربنا منه بكثير من الحذر. كان الأب نثنائيل في غفوة على الثلج، بكل بساطة. كان يتنفّس بشكل منتظم مع شخير خفيف. وكان قد وضع كيسه تحت رأسه وعانقه بكلتا ذراعيه.

     قررنا ألا ننطلق من المكان قبل أن نرى ماذا سيحدث له. ٱختبأنا من ضوء المصباح في ظل الكنيسة الصغيرة وٱنتظرنا. مرّت ساعة، وإذا بنا نرى الأب نثنائيل ينتصب بسرعة ونشاط ويزيل الثلج عن ثيابه ثم يلقي كيسه على كتفه وينطلق كأن شيئاً لم يكن!.

     لم نفهم ماذا حصل في حينه ولكن بعد حين قال لنا متقدّمون في الدّير أن الأب نثنائيل كان يريد فقط أن يريح بدنه لبعض الوقت: أن ينام مرتاحًا، معناه أن ينام مستلقيًا لأنّه لم يكن يتمدّد على السّرير في قلايته، بل يجلس على كرسيّه. ولكي لا يرفّه نفسه، كان يفضّل أن ينام على الثلج!“.

 
 

     والحقّ يقال أنّ كلّ ما يتعلّق بقلاية أمين صندوق بيشوري كان خاضعًا للتكهنات. لم يكن الأب نثنائيل يسمح لأحد أن يدخل عالمه الخاص… ولا قلايته*. حتّى رئيس الدّير، الأب جبرائيل، الّذي يملك السّلطة المطلقة على الحياة في الدير. وكان من غير الجائز مثلاً أن يكون هناك مكان في الدير لا يفتقده الأب جبرائيل، لاسيما أنّ قلاية الأب نثنائيل كانت تقع في الطابق الأوّل في الجناح الّذي يُقيم فيه الأب الرّئيس. لم يرتح الأب جبرائيل لهذا الوضع، لذلك في يوم من الأيام بعد أن تناول الرّهبان وجبة العيد، أعلن الأب الرّئيس أنّه يريد أن يشرب كوبًا من الشاي في قلاية الأب نثانائيل.

     هذه كانت للإخوة الحاضرين مفاجأة ولحظة تاريخية! كان لا بد أن يحدث ما ليس في الحسبان، وشغُف الإخوة في معاينة ماذا سيحدث. عَبَر الأب جبرائيل بحزم وجدّ حديقة الدّير متجهًا إلى قلاية الأب نثنائيل. كان هذا الأخير يسير خلف الرّئيس محاولاً بحزن شديد إقناعه بالعدول عن رأيه. توسّل إليه أن يختار مكانًا آخر فيه ما ينفع النّفوس مقارنة بقلايّته العديمة الأهميّة. أخذ يصف له بشكل مفصّل كم هي غير مرتّبة، وأنّه لِسِتٍ وعشرين سنة لم يرتبها ولا حتّى نظفها وأنّ الهواء فيها عفن بشكل لا يُحتمل… أخيرًا، وفي حالة من اليأس، تحوّل حديث الأب نثنائيل إلى شيء من التهديد. كان يفكّر بصوت عالٍ أنّه لا يجوز تحت أي ظرف أن تتعرّض حياة الأب الرّئيس إلى الخطر بسبب ركام الحجارة المتساقطة الّتي لم يتم إصلاحها والموجودة في قلاية أمين صندوق الدير!.

     في النّهاية توقف الأب الرّئيس أمام قلاية الأب نثنائيل وقال له بٱنزعاج: ”هذا يكفي أيّها الأب نثنائيل! إفتح وأرني ماذا عندك في الدّاخل!“. ورغم الغضب الواضح في نبرة صوته، كان الرّئيس راغبًا عن فضولٍ حقيقيّ أن يعرف ماذا في قلاية الأب نثنائيل.

     أخيرًا قَبِل الأب نثنائيل ما فُرض عليه كأمرٍ واقع. وبكثير من الرّضى والفرح تلا الجملة الرّهبانية التالية: ”بارك أيّها الأب الرّئيس!“ وتناول مفاتيحه وفتح هذا الباب الثمين الّذي بقي موصدًا لأربعة عقودٍ لا يُفتح إلا على قياس حجم الأب نثنائيل الهزيل.

     من خلال الباب المفتوح على مصراعيه لم تكن تستطيع رؤية أي شيء لأنّ الغرفة كان غارقةً في ظلام دامس، فالسّتائر كانت مغلقة ليلاً ونهارًا. دخل الأب نثنائيل أوّلاً وٱختفى في الظلام… لم يكن هناك أي صوت في الداخل. تبعه الأب الرّئيس بكثير من الحذر. وإذا عبر عتبة الباب قال ببعض التذمّر: ”لماذا كل هذه العتمة؟ ألا يوجد كهرباء هنا؟ كيف أُضيئها؟“. ”إلى يمينك أيّها الأب الرّئيس!“ أجاب الأب نثنائيل بصوت مرتجف: ”فقط شدّ المفتاح إلى فوق“.

     في اللحظة التالية سُمعت صرخة الأب جبرائيل. وبقوة خفية خرج من قلاية الأب نثنائيل وٱستقرّ في رواق الدير. ركض الأب نثنائيل وراء الرّئيس الغاضب بعد أن خرج من قلايته وأقفلها بإحكام. كان يتحسّر قائلاً: ”يا للحظ السّيء، يا رب أشفق! هذا المفتاح… يجب أن يعتاد المرء عليه. لقد احترق عام 1961، يوم سقط ”خروشيف“! علامة من الله! لم أبدّل المفتاح منذ ذلك الحين. ولم يُصلحه أي عامل كهرباء… بل أنا بنفسي أصلحته: هناك شريطان معلّقان بالحائط، إذا جمعتهما تستضيء الغرفة وإن فصلتهما تنطفئ الكهرباء! ولكن ليس بسرعة!… لذلك أيّها الأب الرّئيس، تستطيع الآن العودة على الرّحب والسّعة، سوف أفتح لك الباب وتدخل أنت بسلام! أصبحت الآن تعرف كيف تضاء الغرفة. وأنّ فيها أشياء أخرى ذات أهمية!“.

     ولكن ما كان الأب نثنائيل أن ٱنتهى من سرده حتّى كان الأب الرّئيس قد توارى وصار أثرًا بعد عين.

     رغم كلّ ذلك، كان الأب نثنائيل مثالاً للطاعة، وقد نظم قصائد على شرف الأب الرّئيس ودير كهوف بسكوف. وكتب عددًا من المواعظ المفيدة.

 

     تعاطيه مع الرّهبان والعالم الخارجي

اقرأ المزيد read more

Поделиться ссылкой:

Оставьте комментарий

Ваш адрес email не будет опубликован.